كانت ذاهبة لمقابلة عمل… ثم وجدت زوجين مسنّين مُتروكَيْن والكارثة بدأت!
في ذلك الصباح من شهر نوفمبر شعرت أميلي بثقل الشتاء وهو يستولي عليها. كان الهواء باردا إلى حد يلسع وجهها وكانت الطريق طويلة خالية رمادية تبدو كأحد تلك الأماكن التي ينسى فيها العالم الناس. لم تكن قد تجاوزت الثالثة والعشرين من عمرها وكانت تحتضن ابنتها ذات الخمسة أشهر كلوي الملفوفة في بطانية بالية شهدت ليالي قاسية كثيرة. الحافلة التي كان من المفترض أن تقلها إلى مقابلة عمل لم تأت. ساعتان من الانتظار. ساعتان قضتهما تحدق في الأفق كأن الحياة قد تظهر فجأة في هيئة مركبة تلوح من بعيد.
سيكون كل شيء بخير يا حبيبتي همست وهي تقبل جبين الرضيعة.
كانت كلوي نائمة غافلة عن حقيقة أن أمها كانت تعيش منذ أسابيع على الخبز والصبر والأمل. كانت أميلي قد تعلمت كيف تكذب على الخوف كيف تقول له ليس اليوم حتى وهو جالس إلى جوارها.
ثم سمعت أنينا.
على مقعد خشبي في موقف الحافلة يكاد يختفي في الظلال كان يجلس زوجان مسنان. كانا منكمشين أحدهما إلى الآخر يرتجفان ويمسكان بأيدي بعضهما كما لو أن ذلك التلامس وحده يمنعهما من الانهيار. بدا الرجل في نحو الخامسة والسبعين لحية رمادية خفيفة وملابس ممزقة لكن وقفته حملت شيئا غريبا كرامة لم يستطع البرد إطفاءها. أما المرأة فكانت مغمضة العينين شاحبة
الوجه تقبض على يد زوجها كما لو أنها تتشبث بآخر حبل قبل السقوط.
اقتربت أميلي ببطء كأنها تخشى أن تفزعهما أو أن توقظ حزنا أثقل من أن يحتمل.
سيدتي هل أنت بخير سألت.
رفع الرجل وجهه. كانت عيناه الزرقاوان متعبتين لكنهما لامعتان.
نحن ننتظر قال بصوت أجش. قال ابننا إنه سيأتي ليأخذنا. كان ذلك منذ ثلاثة أيام.
وقعت العبارة على أميلي كالصاعقة. ثلاثة أيام. بدا الأمر مستحيلا. كيف يمكن لإنسان أن يترك والديه في موقف حافلات كما لو كانا طردا ضائعا اضطربت كلوي وبدأت تبكي تطلب طعاما ودفئا. نظرت أميلي إلى ابنتها ثم إلى الزوجين وشعرت بشيء يدفعها إلى البقاء. لم يكن مجرد شفقة بل إنذارا داخليا يقينا صامتا بأن ما يحدث ليس مجرد مشهد حزين. كان بوابة لشيء أكبر بكثير.
تعالوا معي قالت قبل أن تفكر طويلا. لا أعرف كيف سنفعل ذلك لكننا سنغادر من هنا معا.
في تلك اللحظة ومن دون أن تدرك كانت أميلي قد حركت قطعة في رقعة شطرنج ظلت سنوات تنتظر أن تهز. والريح الجليدية التي بدت مجرد شتاء بدأت تشبه إنذارا.
عرف الرجل بنفسه فرنسوا وزوجته هيلين. أتينا من الريف شرح بصوت امتزج فيه الكبرياء بالخجل. فتحت هيلين عينيها أخيرا خضراوان عميقتان مثقلتان بإرهاق قديم.
قال لنا رينو إنه سيأخذنا لنعيش معه
في باريس. بعنا البيت والأرض كل شيء تمتمت.
نظرت أميلي حولها. لم تر حقائب ولا أكياسا ولا شيئا.
وأمتعتكم
خفض فرنسوا عينيه.
مر شاب من هنا أمس. قال إنه سيبقى يراقبهما بينما ننتظر. لم يعد.
أشعل ذلك نارا في داخل أميلي. قسوة فوق قسوة كأن الطيبين يدفعون دائما خطوة أخرى نحو الهاوية.
بكت كلوي بحرقة وشعرت أميلي بضغط الوقت كانت مقابلتها عند العاشرة. وقد تجاوز الوقت التاسعة. إن تأخرت ضاعت الفرصة. وإن غادرت الآن تركت مسنين بلا فطور بلا مأوى بلا شيء. فتحت حقيبتها شريحتا خبز زجاجة رضاعة معدة وخمسة عشر يورو. كل ما تملك.
قطعت الخبز نصفين وقدمتهما لفرنسوا وهيلين.
كلا. أنا سأبحث عن هاتف. سأفعل شيئا. أعدكما.
سارت إلى متجر صغير قريب. كان صاحبه السيد دوبوا عابس الوجه.
الخدمات الاجتماعية في يوم أحد انسي الأمر تمتم. والشرطة إن حضروا أصلا فسيستغرق الأمر ساعات.
إنهم بشر! ارتفع صوت أميلي أكثر مما توقعت. بشر!
عادت إلى موقف الحافلة وقلبها مثقل. ظهرت الحافلة من بعيد كنداء أخير. رأت أميلي المركبة تقترب وفهمت أن تلك اللحظة ستعرفها إما أن تختار فرصتها الصغيرة في العمل وإما أن تختار غريبين يرتجفان كالأوراق.
عندما توقفت الحافلة كانت أميلي قد اتخذت قرارها.
تعالوا قالت بحزم لطيف
وهي تمد يدها.
لكن يا ابنتي لديك طفلة احتج فرنسوا.
لهذا السبب بالذات. لأن ابنتي ستنظر يوما في عيني وسأحتاج أن أعرف أنني كنت أما حقيقية.
صعدوا. دفعت أميلي ثلاث تذاكر بخمسة عشر يورو الأخيرة. وما إن بدأ السائق بالتحرك وجدت نفسها بلا مال بلا خطة وبلا وسيلة للعودة. ومع ذلك حين نظرت هيلين إليها بعينين دامعتين وضغطت على يدها شعرت أميلي بشيء يشبه النصر نصرا إنسانيا صغيرا من تلك التي لا تصنع خبرا.
لم تكن تعلم أن العاصفة الحقيقية لم تبدأ بعد.
كانت الحافلة تمضي على الطريق حين توتر السائق بعد قليل.
هناك سيارة شرطة خلفنا صفارتها تعمل. يطلبون مني التوقف.
غاص قلب أميلي. لماذا ماذا فعلت
صعد شرطيان. نظر الأكبر سنا مباشرة إلى فرنسوا.
السيد فرنسوا ألميدا.
شحب وجه فرنسوا.
نعم
عليك أنت وزوجتك أن تأتيا معنا. لدينا بلاغ عن مسنين مفقودين.
شعرت أميلي بالارتياح. أخيرا مساعدة رسمية. لكن الارتياح لم يدم سوى ثانية.
وأنت قال الشرطي وهو ينظر إليها من أنت
أميلي. كنت فقط أساعدهما.
تساعدينهما أم تأخذينهما معك
تجمدت الكلمة في عظامها. صار العالم عبثيا كأن الخير والشر بدلا مواقعهما فجأة. نهضت هيلين ترتجف غضبا.
لقد أنقذتنا! كنا نتجمد حتى الموت!
أصرت الشرطة على الإجراءات مركز محاضر
إيضاحات. ضمت أميلي كلوي إلى صدرها كدرع وصرخت
في داخلها لا أملك عنوانا أصلا كيف أثبت أنني شخص صالح
جاء الجواب مع وصوله رجل في الأربعين تقريبا ببدلة باهظة حليق الذقن بنظرة حسابية. تقدم مسرعا متظاهرا بالارتياح.
أبي! أمي! الحمد لله قال.
تراجع فرنسوا خطوة إلى الخلف.
رينو بصق الاسم ببرودة لم تتوقعها أميلي.
أشار رينو إلى أميلي.
هذه المرأة كانت مع والدي. قدمت بلاغا ظننت أنها خدعة.
انفجرت هيلين
تركتنا وحدنا تماما!
اتسعت عينا رينو كأنه لا يفهم حقا.
ماذا تقصدين وحدكما كان ذلك لليوم! اليوم هو الثلاثاء!
على الجدار كان هناك تقويم. الثلاثاء السابع عشر من نوفمبر.
بدأ فرنسوا يتردد مرتبكا ورأت أميلي ما لم ترغب في رؤيته عقل الرجل لم يكن مستقرا. استمع المفوض بعناية وتشابكت القصة مع شروحات طبية سكري غير مضبوط نوبات تيه إدراك مشوه للزمن.
استغل رينو الفوضى ببراعة.
كان سوء فهم. هذا كل شيء. سنغادر حسنا
لكن امرأة ذات ملامح صارمة دخلت تحمل ملفا.
أنا السيدة فاليري من الخدمات الاجتماعية. تلقيت اتصالا مجهولا.
فحصت فاليري الوثائق والحسابات وصكوك البيع. وجاء صوتها حادا قاطعا
تم بيع البيت والأرض لكن المال لم يودع في حساب السيد والسيدة ألميدا. أودع في حساب السيد رينو ألميدا.
تغير وجه رينو.
أنا أنا أدير الأمر. أستثمره ليصبح أكثر ربحا
من دون تفويض قانوني سألت فاليري رافعة حاجبها.
سرت قشعريرة في ظهر أميلي. كانت قد اصطدمت بشيء مظلم. نظر رينو إليها ولم يكن في عينيه امتنان كان فيهما تهديد.
طلبت فاليري التحدث مع أميلي على انفراد. سألتها عن عمرها ووضعها. اعترفت أميلي بالحقيقة بلا عائلة نشأت في دور رعاية وتنام في ملاجئ منذ ولادة كلوي. أومأت فاليري برأسها كأنها كانت تتوقع ذلك.
سأخبرك بأمر صعب يا أميلي همست. إضافة إلى بلاغ الاختطاف سجلوا أيضا بلاغا بالإهمال الطفولي.
شعرت أميلي بأن الأرض تنهار تحت قدميها.
ماذا
يريدون تشويه سمعتك. وأظنني أعرف من.
فرشت فاليري بعض الأوراق إيصالات تحويلات بنكية ديون تذكرة طيران إلى الخارج. كان رينو يخطط للهرب. وكانت أميلي عقبة شاهدة. لم يكف السرقة كان عليهم محو كل شيء.
لا أملك أدلة كافية لاعتقاله اليوم اعترفت فاليري. لكن يمكنني حماية المسنين. أحتاج مكانا آمنا لهما وشخصا يعتني بهما بينما نجمع الأدلة اللازمة.
نظرت أميلي إلى كلوي. ثم نظرت نحو الباب حيث ينتظر فرنسوا وهيلين. وشعرت أن القدر للمرة الأولى يمنحها خيارا مؤلما لعظمه.
سأفعل قالت. حتى وإن لم أعرف كيف.
راقبتها فاليري لحظة كأنها تفحص روحها.
إذا اسمعي سيكون هذا خطرا.
وهكذا تحولت أميلي من أم بلا مأوى إلى ملجأ لزوجين مسنين يطاردهما ابنهما.
كان المكان الأول مأوى بلديا جدران بيضاء أثاث معاد استخدامه قواعد صارمة لكن مع وجبة ساخنة وسرير. بالنسبة لأميلي كان ترفا. وبالنسبة لفرنسوا وهيلين كان سقوطا مؤلما من حياة كد طويل إلى غرفة صغيرة. أما كلوي فكان دفئا فحسب.
في تلك الليلة حين هدأ كل شيء أخيرا ظنت أميلي أنها ستنام إلى أن أيقظتها مديرة الدار فجأة.
رينو يعرف أنهما هنا. رأيناه يدور في الحي.
شهقت أميلي.
عند الفجر أخرجوا من الباب الخلفي. جاءت فاليري ومعها محامية الأستاذة ماريان لوفيفر امرأة ذات حضور قوي شهدت عيناها من الظلم ما يكفي لئلا تتسامح مع المزيد.
كانت أمي مصابة بألزهايمر اعترفت ماريان في السيارة. وأخي نفسه دمرنا. وعدت نفسي ألا يحدث ذلك مرة أخرى.
لهذا فتحت بيتها. ولهذا أخفت غرباء. ولهذا حين دخلت أميلي غرفة المعيشة المليئة بالكتب وصور العائلة شعرت بوخزة غريبة إحساس النظر إلى حياة حرمت منها دائما.
كانوا بحاجة إلى أدلة. وافق جار يدعى فنسان على البحث عن وثائق في البيت القديم لعائلة ألميدا. وحين اتصل أخيرا كان صوته يرتجف
وجدت صندوقا أوراقا صورا أمورا خطيرة! لكن دوى ضجيج وصراخ وانقطع الاتصال.
بعد ساعات علموا أن فنسان نجا لكنه أصيب. صادرت الشرطة الصندوق للتحليل. وشعر رينو وقد حوصر أنه صار أخطر لم يعد مجرد ابن سارق بل رجلا يائسا له ارتباطات مظلمة.
لإلقاء القبض عليه اقترح المفوض دوران لقاء في مقهى مع شرطة بلباس مدني. وافق رينو بسرعة مريبة. أخاف ذلك أميلي كصمت الشارع الذي ينذر بسوء.
تحول اللقاء إلى فوضى دخان صراخ ناس يفرون. لم يكن انفجارا حقيقيا لكنه أدى الغرض لشخص ما وسط الارتباك خطفت مجموعة رينو بالقوة. لم يكونوا شرطة. كانوا رجال مورو مراب فاسد كان رينو مدينا له بما لا يريد الاعتراف به.
فهمت أميلي الأسوأ لم يعودوا يواجهون محتالا فحسب. كانوا يواجهون عالما صارت فيه حياة الناس عملة للمقايضة.
ومع تأكيد الخبراء للتزوير امتلكت الشرطة أسبابا لاعتقاله إن وجدوه حيا.
تذكر فرنسوا عنبرا مهجورا قرب نهر السين مخبأ مراهقين قديم. وبدل انتظار المسار القضائي اتخذت أميلي قرارا لم يرغب أحد في سماعه لكنه خرج من المكان نفسه الذي دفعها لمشاركة آخر قطعة خبز
إن كانت هناك أدنى فرصة لإنقاذ أحد فسأغتنمها.
وضع دوران جهاز تتبع عليها. ارتدت أميلي ملابس بالية كأنها تريد أن تصبح غير مرئية من جديد كأن الفقر تنكر تعرفه المدينة. كانت كلوي بين ذراعيها الحقيقة التي لا تخفى أم لا تلعب بالخطر لكن الخطر أحيانا يأتي رغم ذلك.
كانت رائحة العنبر صدأ وظلالا. أوقفها حارس. توسلت أميلي ارتجلت طلبت زاوية
لا يتجمد فيها طفلها. لثانية ظنت أن الأمر سينجح حتى جاء صوت آمر
دعها تدخل.
نظر مورو إليها بابتسامة باردة. رأى جهاز التتبع فهم وحلقت كلمة الشرطة في الهواء كطعنة. شعرت أميلي أنها عبرت عتبة بلا عودة.
في الداخل رأت رينو مقيدا منهكا من الحياة أكثر من الضرب. حين نظر إليها لم تر انتصارا رأت خوفا وشيئا يشبه الخجل.
لم تتح لها فرصة الفهم. تصاعد التوتر. في الخارج كانت الشرطة تطوق المكان. في الداخل هددها مورو. شدت أميلي كلوي إلى صدرها ولم تفكر في أبطال ولا أفلام فكرت في رائحة شعر ابنتها وضحكتها والليالي التي وعدتها فيها بالحماية ولو انكسرت عظامها من الداخل.
حاول دوران التفاوض. رد مورو بتهديد فج لا يحتاج إلى شرح ليكون مرعبا. وسط الفوضى شتتت الأصوات صفارات ضجيج أوامر التوتر للحظة. شعرت أميلي بأن قيودها تراخت أدركت فرصتها الوحيدة وركضت نحو المخرج.
لم يسر كل شيء على ما يرام. كانت هناك فوضى صراخ حركة سريعة. شعرت أميلي بألم ثم أياد تسحبها إلى الهواء الطلق. ركضت ماريان نحوها أمسكت بكلوي وكل ما استطاعت أميلي قوله كان
الطفلة الطفلة
هي هنا. هي معي أجابت ماريان وعيناها دامعتان.
بعد ذلك صار كل شيء أبيض.
استيقظت أميلي في مستشفى محاطة بأضواء وصفارات. كان جسدها منهكا وساقها مثبتة لكن السؤال الوحيد الذي كان يهمها
كلوي
إنها بخير قالت ممرضة. إنها مع الأشخاص الذين أحضروك إلى هنا.
دخلت ماريان وهي تحمل الطفلة. كانت كلوي نظيفة مطعمة حية. وحين رأت أمها مدت يديها الصغيرتين كأن العالم لا يكون آمنا إلا إذا لمستها أميلي. بكت أميلي بلا خجل بكت بارتياح من عاد من حرب لم يكن أحد يعلم أنه يخوضها.
وصل فرنسوا وهيلين لاحقا. قبلت هيلين جبين أميلي كما لو كانت ابنتها. وقال فرنسوا وهو يحمل زهورا قولا جرحها وواساها في آن
لقد أعدتم إلينا الحياة.
قبض على مورو. ونجا رينو واحتجز. وفي الأسابيع التالية تسللت القصة إلى الصحافة. تحدثوا عن الأم الشجاعة وعن الشابة التي أنقذت المسنين. أرادت أميلي تجنب كلمة بطلة لأن الحقيقة أبسط لقد توقفت فقط. نظرت. واختارت ألا تمضي.
لكن هذا الاختيار غير كل شيء.
وصلت عروض عمل. ومساعدات غير متوقعة. ثبتت فاليري الوصاية القانونية على فرنسوا وهيلين. وفتحت ماريان بيتها كبوابة للمستقبل. وظهر السيد دوبوا الرجل المتجهم من المتجر ذات يوم بملابس للأطفال وجملة مرتبكة
لم أشك يوما في قلبك.
وكان فنسان في طريقه إلى التعافي يبتسم كأن الصداقة هي الكنز الحقيقي الوحيد.
ومع الوقت طلب رينو التحدث مع أميلي. لا ليبرر بل ليعترف بما حدث. ليقبل العلاج. ليواجه العواقب. لم تبرئه أميلي لكنها فهمت شيئا أن الغفران لا يعني النسيان بل يعني ألا تحكم الألم الغد.
بعد شهر كانت أميلي تمشي بحذر أقل ودخلت بيتا لم يعد يبدو مستعارا. كان في غرفة المعيشة ضحك ورائحة طعام وبطانية صغيرة على الأريكة لكلوي. كانت هناك روتينات. وأيد جاهزة للمساعدة. ومرحبا لا تقال واجبا بل مودة.
في أحد الآحاد كانت أميلي تراقب فرنسوا وهو يصنع وجوها مضحكة لإضحاك الرضيعة
وكانت هيلين تغني أغنية قديمة وهي تمسد شعرها. كانت ماريان تعمل من المكتب لكنها ترفع رأسها أحيانا لتتأمل المشهد كأنها تحتاج أن تتذكر سبب نضالها.
وضعت أميلي يدها على صدرها وشعرت بشيء جديد إحساس بالانتماء.
فكرت في موقف الحافلة في البرد وفي المقعد الخشبي وفي آخر شريحة خبز. فكرت في كل ما أخذته منها الحياة ومع ذلك كيف تركت لها القدرة على العطاء. وفهمت بوضوح جعلها ترتجف أن العائلة ليست دائما دما أو اسما أو ماضيا. أحيانا تكون العائلة قرارا يعاد اتخاذه كل يوم سأبقى سأعتني بك لن أتخلى عنك.
في تلك الليلة قبل النوم قبلت أميلي كلوي وهمست لها
لن تعرفي أبدا الوحدة التي عرفتها. أعدك.
وبينما كان البيت يتنفس في صمت بخطوات خافتة وأصوات منخفضة وصوت بسيط لأشخاص يستعدون ليوم جديد أدركت أميلي أن النهاية الحقيقية لقصتها لم تكن انتصارا على شرير ولا عنوانا صحفيا ولا ضربة حظ. كانت شيئا أهدأ وأعظم بيتا بني باللطف قطعة قطعة بالطريقة التي تبنى
بها الأشياء التي تدوم حقا.

تعليقات
إرسال تعليق